| |
|
|
| |
| (إخفاء التشكيل) |
|
|
تَبَغٌ التَّعْرِيفُ
:
1 - التَّبَغُ ( بِتَاءٍ
مَفْتُوحَةٍ ) لَفْظٌ أَجْنَبِيٌّ دَخَلَ الْعَرَبِيَّةَ
دُونَ تَغْيِيرٍ , وَقَدْ أَقَرَّهُ مَجْمَعُ اللُّغَةِ
الْعَرَبِيَّةِ . وَهُوَ نَبَاتٌ مِنْ الْفَصِيلَةِ الْبَاذِنْجَانِيَّة
يُسْتَعْمَلُ تَدْخِينًا وَسَعُوطًا وَمَضْغًا , وَمِنْهُ نَوْعٌ يُزْرَعُ
لِلزِّينَةِ , وَهُوَ مِنْ أَصْلٍ أَمْرِيكِيٍّ , وَلَمْ يَعْرِفْهُ
الْعَرَبُ الْقُدَمَاءُ .
وَمِنْ أَسْمَائِهِ : الدُّخَانُ ,
وَالتُّتْن , وَالتُّنْبَاكُ . لَكِنَّ الْغَالِبَ إطْلَاقُ
هَذَا الْأَخِيرِ عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ التَّبَغِ كَثِيفٍ
يُدَخَّنُ بِالنَّارَجِيلَةِ لَا بِاللَّفَائِفِ
.
2 - وَمِمَّا
يُشْبِهُ التَّبَغَ فِي التَّدْخِينِ وَالْإِحْرَاقِ :
الطُّبَّاقُ , وَهُوَ نَبَاتٌ عُشْبِيٌّ مُعَمِّرٌ مِنْ
فَصِيلَةِ الْمُرَكَّبَاتِ الْأُنْبُوبِيَّةِ الزَّهْرِ , وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ
الْعَرَبِ , خِلَافًا لِلتَّبَغِ , وَالطُّبَّاقُ : لَفْظٌ مُعَرَّبٌ .
وَفِي
الْمُعْجَمِ الْوَسِيطِ : الطُّبَّاقُ : الدُّخَانُ ,
يُدَخَّنُ وَرَقُهُ مَفْرُومًا أَوْ مَلْفُوفًا
.
3 -
وَقَالَ الْفُقَهَاءُ عَنْ الدُّخَّانِ : إنَّهُ حَدَثَ فِي
أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الْعَاشِرِ الْهِجْرِيِّ وَأَوَائِلِ الْقَرْنِ الْحَادِيَ
عَشَرَ , وَأَوَّلُ مَنْ جَلَبَهُ لِأَرْضِ
الرُّومِ ( أَيْ الْأَتْرَاكِ الْعُثْمَانِيِّينَ ) الْإِنْكِلِيزُ , وَلِأَرْضِ الْمَغْرِبِ
يَهُودِيٌّ زَعَمَ أَنَّهُ
حَكِيمٌ , ثُمَّ جُلِبَ إلَى
مِصْرَ , وَالْحِجَازِ , وَالْهِنْدِ , وَغَالِبِ بِلَادِ
الْإِسْلَامِ .
الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّبَغِ :
حُكْمُ اسْتِعْمَالِهِ :
4 - مُنْذُ ظُهُورِ الدُّخَّانِ - وَهُوَ الِاسْمُ
الْمَشْهُورُ لِلتَّبْغِ - وَالْفُقَهَاءُ يَخْتَلِفُونَ فِي حُكْمِ
اسْتِعْمَالِهِ , بِسَبَبِ الِاخْتِلَافِ فِي تَحَقُّقِ الضَّرَرِ مِنْ
اسْتِعْمَالِهِ , وَفِي الْأَدِلَّةِ الَّتِي تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ ,
قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ , إذْ لَا نَصَّ فِي
شَأْنِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّهُ حَرَامٌ ,
وَقَالَ آخَرُونَ : إنَّهُ مُبَاحٌ , وَقَالَ غَيْرُهُمْ : إنَّهُ
مَكْرُوهٌ .
وَبِكُلِّ حُكْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ
أَفْتَى فَرِيقٌ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ , وَبَيَانُ
ذَلِكَ فِيمَا يَلِي :
الْقَائِلُونَ بِتَحْرِيمِهِ وَأَدِلَّتُهُمْ :
5 - ذَهَبَ إلَى
الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ شُرْبِ
الدُّخَّانِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ : الشَّيْخُ
الشرنبلالي , وَالْمَسِيرِيُّ , وَصَاحِبُ الدُّرِّ الْمُنْتَقَى , وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ
عَابِدِينَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ الشَّيْخِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيِّ
. وَقَالَ
بِتَحْرِيمِهِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ : سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ
, وَإِبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ , وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ
الْكَرِيمِ الْفَكُّونُ , وَخَالِدُ بْنُ أَحْمَدَ , وَابْنُ حَمْدُونٍ وَغَيْرُهُمْ . وَمِنْ
الشَّافِعِيَّةِ : نَجْمُ الدِّينِ الْغَزِّيِّ
, وَالْقَلْيُوبِيُّ , وَابْنُ عَلَّانَ , وَغَيْرُهُمْ . وَمِنْ الْحَنَابِلَةِ الشَّيْخُ
أَحْمَدُ الْبُهُوتِيُّ
, وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ النَّجْدِيِّينَ . وَمِنْ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا مَنْ أَلَّفَ فِي تَحْرِيمِهِ
كَاللَّقَانِيِّ وَالْقَلْيُوبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ
الْكَرِيمِ الْفَكُّونِ , وَابْنِ عَلَّانَ . وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ بِمَا يَأْتِي :
6 - أ -
أَنَّ الدُّخَّانَ يُسْكِرُ فِي ابْتِدَاءِ تَعَاطِيهِ
إسْكَارًا سَرِيعًا بِغَيْبَةٍ تَامَّةٍ , ثُمَّ لَا يَزَالُ فِي
كُلِّ مَرَّةٍ يَنْقُصُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَطُولَ الْأَمَدُ جِدًّا ,
فَيَصِيرُ لَا يُحِسُّ بِهِ , لَكِنَّهُ يَجِدُ نَشْوَةً
وَطَرَبًا أَحْسَنَ عِنْدَهُ مِنْ السُّكْرِ . أَوْ
أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْكَارِ : مُطْلَقُ الْمُغَطِّي لِلْعَقْلِ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ , وَلَا رَيْبَ
أَنَّهَا حَاصِلَةٌ لِمَنْ يَتَعَاطَاهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ . وَهُوَ
عَلَى هَذَا يَكُونُ نَجِسًا , وَيُحَدُّ شَارِبُهُ , وَيَحْرُمُ
مِنْهُ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ .
7 - ب - إنْ قِيلَ : إنَّهُ
لَا يُسْكِرُ , فَهُوَ يُحْدِثُ تَفْتِيرًا وَخَدْرًا لِشَارِبِهِ ,
فَيُشَارِكُ أَوَّلِيَّةَ الْخَمْرِ فِي نَشْوَتِهِ , وَقَدْ
قَالَتْ
أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ } قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْمُفَتِّرُ : مَا يُحْدِثُ الْفُتُورَ وَالْخِدْرَ
فِي الْأَطْرَافِ وَصَيْرُورَتَهَا إلَى وَهَنٍ وَانْكِسَارٍ , وَيَكْفِي
حَدِيثُ
أُمِّ سَلَمَةَ حُجَّةً , وَدَلِيلًا عَلَى
تَحْرِيمِهِ . وَلَكِنَّهُ عَلَى هَذَا لَا يَكُونُ
نَجِسًا وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ , وَيَحْرُمُ الْقَلِيلُ مِنْهُ
كَالْكَثِيرِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي التَّأْثِيرِ , إذْ
الْغَالِبُ وُقُوعُهُ بِأَدْنَى شَيْءٍ مِنْهَا , وَحِفْظُ الْعُقُولِ مِنْ
الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ
الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْمِلَلِ .
8 - ج - أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى شُرْبِهِ
الضَّرَرُ فِي الْبَدَنِ وَالْعَقْلِ وَالْمَالِ , فَهُوَ يُفْسِدُ
الْقَلْبَ , وَيُضْعِفُ
الْقُوَى , وَيُغَيِّرُ اللَّوْنَ
بِالصُّفْرَةِ , وَيَتَوَلَّدُ مِنْ تَكَاثُفِ دُخَّانِهِ فِي
الْجَوْفِ الْأَمْرَاضُ وَالْعِلَلُ , كَالسُّعَالِ الْمُؤَدِّي لِمَرَضِ السُّلِّ
, وَتَكْرَارُهُ يُسَوِّدُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ , وَتَتَوَلَّدُ
مِنْهُ الْحَرَارَةُ , فَتَكُونُ دَاءً مُزْمِنًا مُهْلِكًا , فَيَشْمَلُهُ
قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } وَهُوَ يَسُدُّ مَجَارِيَ الْعُرُوقِ , فَيَتَعَطَّلُ وُصُولُ الْغِذَاءِ
مِنْهَا إلَى أَعْمَاقِ الْبَدَنِ , فَيَمُوتُ مُسْتَعْمِلُهُ فَجْأَةً .
ثُمَّ قَالُوا : وَالْأَطِبَّاءُ مُجْمِعُونَ
عَلَى أَنَّهُ مُضِرٌّ , قَالَ
الشَّيْخُ
عُلَيْشٌ : أَخْبَرَ بَعْضُ مُخَالِطِي الْإِنْكِلِيزِ
أَنَّهُمْ مَا جَلَبُوا الدُّخَّانَ لِبِلَادِ الْإِسْلَامِ إلَّا بَعْدَ إجْمَاعِ
أَطِبَّائِهِمْ عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْ مُلَازَمَتِهِ ,
وَأَمْرِهِمْ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَضُرُّ ,
لِتَشْرِيحِهِمْ رَجُلًا مَاتَ بِاحْتِرَاقِ كَبِدِهِ وَهُوَ مُلَازِمُهُ , فَوَجَدُوهُ
سَارِيًا فِي عُرُوقِهِ وَعَصَبِهِ , وَمُسَوِّدًا مُخَّ عِظَامِهِ ,
وَقَلْبَهُ مِثْلَ إسْفَنْجَةٍ يَابِسَةٍ , فَمَنَعُوهُمْ مِنْ
مُدَاوَمَتِهِ , وَأَمَرُوهُمْ بِبَيْعِهِ لِلْمُسْلِمِينَ لِإِضْرَارِهِمْ . . .
قَالَ
الشَّيْخُ عُلَيْشٌ : فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ
إلَّا هَذَا لَكَانَ بَاعِثًا لِلْعَقْلِ عَلَى
اجْتِنَابِهِ , وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ
, وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ
النَّاسِ , فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ,
وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ
فِي الْحَرَامِ , كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ
أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ
} . هَذَا وَفِي الْمَرَاجِعِ الْحَدِيثَةِ مَا يُثْبِتُ ضَرَرَ
التَّدْخِينِ
.
9 - د - فِي التَّدْخِينِ إسْرَافٌ
وَتَبْذِيرٌ وَضَيَاعٌ لِلْمَالِ , قَالَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ : لَوْ سُئِلَ الْفُقَهَاءُ - الَّذِينَ
قَالُوا : السَّفَهُ الْمُوجِبُ لِلْحَجْرِ تَبْذِيرُ الْمَالِ فِي
اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ - عَنْ مُلَازِمِ اسْتِعْمَالِ الدُّخَّانِ ,
لَمَّا تَوَقَّفُوا فِي وُجُوبِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ
وَسَفَهِهِ , وَانْظُرْ إلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إضَاعَةِ الْأَمْوَالِ
فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى الْفُقَرَاءِ
وَالْمَسَاكِينِ , وَحِرْمَانِهِمْ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِمَّا
أَفْسَدَهُ الدُّخَّانُ عَلَى الْمُتَرَفِّهِينَ بِهِ ,
وَسَمَاحَةِ أَنْفُسِهِمْ بِدَفْعِهَا لِلْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ أَعْدَاءِ
الدِّينِ ,
وَمَنْعِهَا مِنْ
الْإِعَانَةِ بِهَا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَسَدِّ
خُلَّةِ الْمُحْتَاجِينَ .
10 - هـ -
صَدَرَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ مِنْ الْخَلِيفَةِ الْعُثْمَانِيِّ
فِي وَقْتِهِ - بِنَاءً عَلَى فَتَاوَى عُلَمَاءِ عَصْرِهِ -
بِمَنْعِ اسْتِعْمَالِ الدُّخَّانِ وَمُعَاقَبَةِ
شَارِبِيهِ , وَحَرْقِ مَا وُجِدَ مِنْهُ . فَيُعْتَبَرُ مِنْ وُجُوهِ
تَحْرِيمِهِ : الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ السُّلْطَانِ ,
فَإِنَّ امْتِثَالَ أَمْرِهِ وَاجِبٌ فِي غَيْرِ مَا
أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ , وَمُخَالَفَتُهُ مُحَرَّمَةٌ
.
11 وَرَائِحَةُ الدُّخَّانِ مُنْتِنَةٌ مُؤْذِيَةٌ
, وَكُلُّ رَائِحَةٍ مُؤْذِيَةٍ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ , وَالدُّخَّانُ أَشَدُّ مِنْ الْبَصَلِ وَالثُّومِ
فِي الرَّائِحَةِ , وَقَدْ وَرَدَ مَنْعُ مَنْ تَنَاوَلَهُمَا مِنْ
دُخُولِ الْمَسْجِدِ , وَفَرَّقَ بَيْنَ الرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ
وَالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ , وَالْبَصَلُ وَالثُّومُ رِيحُهُمَا مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ
مُنْتِنًا , وَالدُّخَّانُ رِيحُهُ مُنْتِنٌ .
12 - ز - مَنْ
زَعَمَ اسْتِعْمَالَهُ تَدَاوِيًا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ اسْتِعْمَالَ
الْأَدْوِيَةِ , وَخَرَجَ بِهِ إلَى حَدِّ التَّفَكُّهِ
وَالتَّلَذُّذِ , وَادَّعَى التَّدَاوِيَ تَلْبِيسًا وَتَسَتُّرًا حَتَّى وَصَلَ
بِهِ إلَى أَغْرَاضٍ بَاطِنَةٍ مِنْ الْعَبَثِ وَاللَّهْوِ
وَالْإِسْطَالِ , وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ حُرْمَتُهُ , وَعَرَّفُوا
الْعَبَثَ : بِأَنَّهُ فِعْلٌ
لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ
, وَالسَّفَهُ : بِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا غَرَضَ فِيهِ
أَصْلًا
وَاللَّعِبُ : فِعْلٌ فِيهِ لَذَّةٌ
. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِحُرْمَةِ
الْعَبَثِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ صَاحِبُ
كِتَابِ
الِاحْتِسَابِ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا
} وَصَاحِبُ الْكَافِي مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: { كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ
الرَّجُلُ بَاطِلٌ إلَّا رَمْيَةُ الرَّجُلِ بِقَوْسِهِ , وَتَأْدِيبُهُ
فَرَسَهُ , وَمُلَاعَبَتُهُ امْرَأَتَهُ , فَإِنَّهُنَّ
مِنْ الْحَقِّ
} . الْقَائِلُونَ بِإِبَاحَتِهِ وَأَدِلَّتُهُمْ
:
13 - ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ بِإِبَاحَةِ
شُرْبِ الدُّخَّانِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ :
الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابْلُسِيُّ , وَقَدْ أَلَّفَ فِي
إبَاحَتِهِ رِسَالَةً سَمَّاهَا ( الصُّلْحُ بَيْنَ
الْإِخْوَانِ فِي إبَاحَةِ شُرْبِ الدُّخَّانِ ) وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ , وَابْنُ عَابِدِينَ , وَالشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْعَبَّاسِيُّ
الْمَهْدِيُّ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الْمَهْدِيَّةِ , وَالْحَمَوِيُّ شَارِحُ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ . وَمِنْ الْمَالِكِيَّةِ : عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ
, وَلَهُ رِسَالَةٌ فِي إبَاحَتِهِ
سَمَّاهَا ( غَايَةُ الْبَيَانِ لِحِلِّ شُرْبِ مَا لَا يُغَيِّبُ
الْعَقْلَ مِنْ الدُّخَّانِ
) وَنَقَلَ فِيهَا الْإِفْتَاءَ بِحِلِّهِ عَمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ
مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ , وَتَابَعَهُ عَلَى
الْحِلِّ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ , وَمِنْهُمْ
:
الدُّسُوقِيُّ , وَالصَّاوِيُّ , وَالْأَمِيرُ , وَصَاحِبُ تَهْذِيبِ الْفُرُوقِ . وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ : الْحِفْنِيُّ , وَالْحَلَبِيُّ , وَالرَّشِيدِيُّ , والشبراملسي , وَالْبَابِلِيُّ , وَعَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى
الْحُسَيْنِيُّ الطَّبَرِيُّ الْمَكِّيُّ
, وَلَهُ رِسَالَةٌ
سَمَّاهَا ( رَفْعُ الِاشْتِبَاكِ عَنْ تَنَاوُلِ التُّنْبَاكِ
) . وَمِنْ الْحَنَابِلَةِ : الْكَرْمِيُّ صَاحِبُ دَلِيلِ الطَّالِبِ , وَلَهُ رِسَالَةٌ فِي
ذَلِكَ سَمَّاهَا (
الْبُرْهَانُ فِي
شَأْنِ شُرْبِ الدُّخَّانِ ) . كَذَلِكَ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ بِإِبَاحَتِهِ .
وَقَدْ اسْتَدَلَّ
الْقَائِلُونَ بِإِبَاحَتِهِ بِمَا يَأْتِي :
14 - أ - أَنَّهُ لَمْ
يَثْبُتْ إسْكَارُهُ وَلَا تَخْدِيرُهُ , وَلَا إضْرَارُهُ ( عِنْدَ أَصْحَابِ
هَذَا الرَّأْيِ ) وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ بَعْدَ اشْتِهَارِهِ ,
وَمَعْرِفَةِ النَّاسِ بِهِ , فَدَعْوَى أَنَّهُ يُسْكِرُ أَوْ
يُخَدِّرُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ , فَإِنَّ الْإِسْكَارَ غَيْبُوبَةُ الْعَقْلِ
مَعَ حَرَكَةِ الْأَعْضَاءِ , وَالتَّخْدِيرُ غَيْبُوبَةُ الْعَقْلِ مَعَ
فُتُورِ الْأَعْضَاءِ , وَكِلَاهُمَا لَا يَحْصُلُ لِشَارِبِهِ . نَعَمْ
مَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ يَحْصُلُ لَهُ إذَا شَرِبَهُ نَوْعُ
غَشَيَانٍ . وَهَذَا لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ . كَذَا
قَالَ
الشَّيْخُ حَسَنٌ الشَّطِّيُّ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ
:
الْفُتُورُ الَّذِي يَحْصُلُ لِمُبْتَدِئِ شُرْبِهِ لَيْسَ مِنْ تَغْيِيبِ
الْعَقْلِ فِي شَيْءٍ , وَإِنْ سَلِمَ
أَنَّهُ مِمَّا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ فَلَيْسَ مِنْ الْمُسْكِرِ قَطْعًا
,
لِأَنَّ الْمُسْكِرَ يَكُونُ مَعَهُ نَشْوَةٌ وَفَرَحٌ ,
وَالدُّخَّانُ لَيْسَ كَذَلِكَ , وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِمَنْ
لَا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ , وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ
الْأَمْزِجَةِ , وَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ , فَقَدْ يُغَيِّبُ عَقْلَ شَخْصٍ وَلَا
يُغَيِّبُ عَقْلَ آخَرَ , وَقَدْ يُغَيِّبُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْكَثِيرِ
دُونَ الْقَلِيلِ .
15 - ب - الْأَصْلُ فِي
الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَرِدَ نَصٌّ بِالتَّحْرِيمِ
, فَيَكُونُ
فِي حَدِّ ذَاتِهِ مُبَاحًا , جَرْيًا عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ
وَعُمُومَاتِهِ , الَّتِي يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا حَيْثُ كَانَ حَادِثًا
غَيْرَ مَوْجُودٍ زَمَنَ الشَّارِعِ , وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ نَصٌّ
بِخُصُوصِهِ , وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ فِي الْقُرْآنِ أَوْ
السُّنَّةِ , فَهُوَ مِمَّا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ , وَلَيْسَ
الِاحْتِيَاطُ فِي الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ
تَعَالَى بِإِثْبَاتِ الْحُرْمَةِ أَوْ الْكَرَاهَةِ اللَّذَيْنِ لَا
بُدَّ لَهُمَا مِنْ دَلِيلٍ , بَلْ فِي الْقَوْلِ
بِالْإِبَاحَةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ , وَقَدْ تَوَقَّفَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّهُ هُوَ الْمُشَرِّعُ فِي تَحْرِيمِ
الْخَمْرِ أُمِّ الْخَبَائِثِ - حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ النَّصُّ
الْقَطْعِيُّ , فَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ إذَا سُئِلَ عَنْهُ أَنْ يَقُولَ
هُوَ مُبَاحٌ , لَكِنَّ رَائِحَتَهُ تَسْتَكْرِهُهَا الطِّبَاعُ ,
فَهُوَ مَكْرُوهٌ طَبْعًا لَا شَرْعًا .
16 - ج - إنَّ فَرْضَ
إضْرَارِهِ لِبَعْضِ النَّاسِ فَهُوَ أَمْرٌ عَارِضٌ لَا لِذَاتِهِ , وَيَحْرُمُ
عَلَى مَنْ يَضُرُّهُ دُونَ غَيْرِهِ , وَلَا يَلْزَمُ
تَحْرِيمُهُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ , فَإِنَّ الْعَسَلَ يَضُرُّ بَعْضَ
النَّاسِ , وَرُبَّمَا أَمْرَضَهُمْ , مَعَ أَنَّهُ شِفَاءٌ بِالنَّصِّ
الْقَطْعِيِّ .
17 - د - صَرْفُ الْمَالِ فِي الْمُبَاحَاتِ
عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ بِسَرَفٍ ,
لِأَنَّ الْإِسْرَافَ هُوَ التَّبْذِيرُ , وَفَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ التَّبْذِيرَ بِأَنَّهُ إنْفَاقُ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ , فَإِذَا
كَانَ الْإِنْفَاقُ فِي حَقِّهِ وَلَوْ مُبَاحًا فَلَيْسَ بِسَرَفٍ ,
وَدَعْوَى أَنَّهُ إسْرَافٌ فَهَذَا غَيْرُ خَاصٍّ بِالدُّخَّانِ
.
18 - هـ - اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى
أَنَّ تَحْكِيمَ الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ بِلَا مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ
بَاطِلٌ , إذْ لَيْسَ الصَّلَاحُ بِتَحْرِيمِهِ , وَإِنَّمَا الصَّلَاحُ
وَالدِّينُ الْمُحَافَظَةُ بِالِاتِّبَاعِ لِلْأَحْكَامِ الْوَارِدَةِ
بِلَا تَغْيِيرٍ وَلَا تَبْدِيلٍ , وَهَلْ الطَّعْنُ فِي أَكْثَرِ
النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ ,
وَالْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالْفِسْقِ وَالطُّغْيَانِ بِسَبَبِ شُرْبِهِمْ الدُّخَّانَ
, وَفِي الْعَامَّةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَضْلًا عَنْ
الْخَاصَّةِ , صَلَاحٌ أَمْ فَسَادٌ ؟
19 - وَ - حَرَّرَ ابْنُ
عَابِدِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَقْلِيدُ مَنْ أَفْتَى
بِحُرْمَةِ شُرْبِ الدُّخَّانِ ,
لِأَنَّ فَتْوَاهُمْ إنْ
كَانَتْ عَنْ اجْتِهَادٍ فَاجْتِهَادُهُمْ لَيْسَ بِثَابِتٍ , لِعَدَمِ
تَوَافُرِ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ , وَإِنْ كَانَتْ عَنْ
تَقْلِيدٍ لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ , فَلَيْسَ بِثَابِتٍ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ
لَمْ يُنْقَلْ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ,
فَكَيْفَ سَاغَ لَهُمْ الْفَتْوَى وَكَيْفَ
يَجِبُ تَقْلِيدُهُمْ ؟ .
ثُمَّ قَالَ : وَالْحَقُّ
فِي إفْتَاءِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فِي هَذَا
الزَّمَانِ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا
الْبَيْضَاوِيُّ فِي الْأُصُولِ , وَوَصَفَهُمَا
بِأَنَّهُمَا نَافِعَانِ فِي الشَّرْعِ .
الْأَوَّلُ : أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ : الْإِبَاحَةُ
, وَالْآيَاتُ
الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ .
الثَّانِي :
أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَضَارِّ : التَّحْرِيمُ وَالْمَنْعُ
لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } . ثُمَّ قَالَ : وَبِالْجُمْلَةِ إنْ
ثَبَتَ فِي هَذَا الدُّخَّانِ إضْرَارٌ صَرَفَ عَنْ
الْمَنَافِعِ فَيَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِتَحْرِيمِهِ , وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ
إضْرَارُهُ
فَالْأَصْلُ الْحِلُّ . مَعَ أَنَّ الْإِفْتَاءَ
بِحِلِّهِ فِيهِ دَفْعُ الْحَرَجِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنَّ
أَكْثَرَهُمْ يُبْتَلَوْنَ بِتَنَاوُلِهِ , فَتَحْلِيلُهُ أَيْسَرُ
مِنْ تَحْرِيمِهِ , فَإِثْبَاتُ حُرْمَتِهِ أَمْرٌ عَسِيرٌ لَا يَكَادُ
يُوجَدُ لَهُ نَصِيرٌ . نَعَمْ لَوْ أَضَرَّ بِبَعْضِ الطَّبَائِعِ
فَهُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ , وَلَوْ نَفَعَ بِبَعْضٍ وَقُصِدَ التَّدَاوِي فَهُوَ
مَرْغُوبٌ .
قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ :
كَذَا أَجَابَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ
أَحْمَدُ بْنُ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ حَيْدَرٍ الْكَرْدِيُّ الْجَزَرِيُّ
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي تَهْذِيبِ الْفُرُوقِ : مَنْ عَافَاهُ اللَّهُ
مِنْ شُرْبِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ , لَا
يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مُخْتَارِهِ ,
فَيُدْخِلُ عَلَيْهِمْ شَغَبًا فِي أَنْفُسِهِمْ وَحِيرَةً فِي
دِينِهِمْ , إذْ مِنْ شَرْطِ التَّغْيِيرِ لِأَمْرٍ مَا أَنْ
يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى إنْكَارِهِ .
الْقَائِلُونَ بِالْكَرَاهَةِ وَأَدِلَّتُهُمْ
:
20 - ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ
بِكَرَاهَةِ شُرْبِ الدُّخَّانِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ :
ابْنُ عَابِدِينَ , وَأَبُو السُّعُودِ , وَاللَّكْنَوِيُّ . وَمِنْ الْمَالِكِيَّةِ : الشَّيْخُ
يُوسُفُ الصَّفْتِيُّ
. وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ : الشِّرْوَانِيُّ . وَمِنْ الْحَنَابِلَةِ : الْبُهُوتِيُّ , وَالرَّحِيبَانِيُّ , وَأَحْمَدُ
بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنْقُورُ التَّمِيمِيُّ .
وَاسْتَدَلُّوا
بِمَا يَأْتِي :
21 - أ - كَرَاهَةُ رَائِحَتِهِ , فَيُكْرَهُ
قِيَاسًا عَلَى الْبَصَلِ النِّيءِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاتِ
وَنَحْوِهَا .
22 - ب - عَدَمُ ثُبُوتِ أَدِلَّةِ التَّحْرِيمِ ,
فَهِيَ تُورِثُ الشَّكَّ , وَلَا يَحْرُمُ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ ,
فَيُقْتَصَرُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِمَا أَوْرَدَهُ
الْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ . . |
|
|
|
|
|
|
| المراجع | |  |
| الفهارس | |  |
|